يطلُّ التاريخ علينا مجدداً بوجه شاحب، مرتدياً عباءة "السلام" الزائفة في أروقة "دافوس"، ليعيد إنتاج مشهد سريالي بامتياز؛ مشهدٌ يُدعى فيه الجلاد لتصميم هندسة المستقبل، بينما يُغيب الضحية خلف قضبان النسيان. إن ما يحدث في أروقة "مجلس السلام" ليس مجرد مؤتمر دولي عابر، بل هو نموذج تفسيري متجدد لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر بوابات "الاقتصاد السياسي" والمسميات البراقة.
مائدة اللئام: استحضار القاتل ونفي القتيل
من المفارقات الصارخة التي تستفز العقل والضمير، أن يشرع هذا المجلس أبوابه لمن أدانتهم محكمة الجنايات الدولية كمشتبه بهم في جرائم حرب، بينما يوصدها في وجه أي صوت فلسطيني صاحب حق. كيف يستقيم ميزان العدل حين يُناقش مصير شعب في غيابه؟ إننا أمام "مائدة لئام" بامتياز، لا تبحث عن حقوق الإنسان بقدر ما تبحث عن "إدارة الأزمة" بما يضمن أمن الجلاد واستدامة احتلاله.
فخ "الريفير": مقايضة الثوابت بـ "رشاوي" كوشنر
بين بريق الأرقام التي تداعب الخيال —استثمارات بـ 25 مليار دولار ووعود بتحويل غزة إلى "ريفير الشرق الأوسط"— تكمن حقيقة مريرة. يُطرح المجلس كبديل "عملي" للمنظمات الدولية والقانون الدولي، في محاولة لاستبدال مرجعيات الحق التاريخي بلغة "الصفقات التجارية". إن هذا التوجه لا يسعى للإعمار قدر سعيه لـ "تطبيع المعاناة"؛ حيث يتم اختزال قضية شعب في "مشكلة فقر" تُحل ببناء الأبراج والمدن الصناعية، وكذلك تنزع الصفة السياسية عن الوجود الفلسطيني لتحويله إلى مجرد كتلة بشرية تبحث عن رفاهية العيش تحت حراب الاحتلال.
الأمن مقابل الإعمار: تجميل أسوار السجن
تتجلى المعضلة الأخلاقية في مقايضة "الإعمار" بـ "نزع السلاح" قبل نيل "الحرية"*. إن الخطط التي تُطرح، والتي تتقاطع مع رؤى "كوشنر"، تثير ريبة وجودية؛ فهي تقترح إعادة هندسة ديموغرافيا القطاع ومسح أحياء كاملة لتلبية الهواجس الأمنية الإسرائيلية أولاً. إن إعادة الإعمار في ظل هذه الرؤية ليست سوى "تجميل للزنزانة"؛ فما نفع الجدران الملونة إذا كان قاطنها يفتقد السيادة على قراره؟ إنّ أي بناء لا يقوم على قاعدة "حماية الفلسطيني من الاحتلال" بدلاً من "حماية الاحتلال من الفلسطيني" هو بناء هش، محكوم عليه بالانهيار مع أول صرخة حرية.
انفصام الواقع: سراب الرفاه وواقع دامي
بينما يغرق "مجلس السلام" في لغة الأرقام حول 500 ألف وظيفة ودخل سنوي مرتفع ومعدل بطالة صفري، يصطدم هذا الحلم بصخرة الواقع الميداني الدامي. كيف يمكن بناء "سنغافورة" بينما لا يزال معبر رفح —شريان الحياة— يخضع لمساومات ترفضها روح العدالة؟ إن الاحتلال، كما تشي ممارساته، لا يضع هذه الأبراج الطموحة في أولوياته، بل يركز على "حسم القضية" عسكرياً وتثبيت واقع الدمار. وما يدعيه المجلس من "تهدئة" تفضحه الأرض التي سجلت أكثر من 1280 خرقاً صهيونياً، ومنعاً ممنهجاً لدخول أبسط مقومات الحياة من أجهزة طبية ومواد بناء، تاركين غزة تحت ركام 60 مليون طن من الدمار.
غزة أولاً.. فخ التفتيت السياسي
يتجلى الخطر الداهم في محاولة الفصل الجغرافي والسياسي لقطاع غزة، والتعامل معه كجزيرة معزولة لا صلة لها بالضفة الغربية. إنها محاولة لتمزيق ثوب الوطن الواحد، وإيهام العالم بأن المشكلة هي "أزمة إدارية" في قطاع منهك، وليست قضية تقرير مصير. إن هذا النهج هو ارتداد لثقافة "صفقة القرن" التي ظن أصحابها أنهم يستطيعون القفز فوق الحقوق التاريخية، متناسين أنّ السلام الذي لا يبدأ بإنهاء الاحتلال ليس إلا هدنة هشة تمنح القاتل وقتاً لالتقاط الأنفاس.
ختامًا:
إن غزة التي قاومت الفناء لا تنتظر "مقاولين" يوزعون وعود الثراء الفاحش، بل تبحث عن عدالة تسبق الحجر، وسيادة لا تُقايض بالمال. قد ينجح "مجلس السلام" في التقاط الصور التذكارية ببدلات أنيقة في سويسرا، لكنه سيفشل حتماً في اختراق وجدان شعب يدرك أنّ "الإعمار الحقيقي" يبدأ بكسر القيد، وينتهي بعودة صاحب الأرض إلى أرضه حراً كريماً، لا مستأجراً في "مشروع ريفيرا" غريب عن روحه وتاريخه.
يبقى الصمود الأسطوري هو الحقيقة الوحيدة التي عجزت كل الخطط —من "صفقة القرن" إلى "مجلس السلام"— عن استيعابها؛ فغزة ليست عقاراً للبيع، بل هي قلب ينبض بالحق، وستُبنى بأيدي أبنائها الذين يرون فيها وطناً، لا مجرد "عبء أمني" أو "فرصة استثمارية".

